ابن حمدون
175
التذكرة الحمدونية
ثم تعقّب الرأي ، فعلم أنّه قد أخطأ ، فتوقّف عن إمضاء أمره ، وخشي أن يوحش طاهرا بنقضه ، فمضى شهر تامّ وطاهر [ مقيم بمعسكره ، ثم إن المأمون أرق في السحر ] من ليلة أحد وثلاثين يوما من عقده اللواء لطاهر . وأمر بإحضار مخارق المغنّي ، فأحضر وقد صلَّى المأمون [ الغداة ] مع طلوع الفجر ، وقال : يا مخارق ، أتغنّي : [ من الوافر ] إذا لم تستطع شيئا فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع وكيف تريد أن تدعى عظيما وأنت لكلّ ما تهوى تبوع الشعر لعمرو بن معد يكرب . فقال : نعم ، قال : فهاته ، فغنّاه ، فقال : ما صنعت شيئا ، فهل تعرف من يقوله أحسن ممّا تقوله ؟ قال : نعم ، علَّويه الأعسر . فأمر بإحضاره ، [ فكأنه كان وراء ستر ] ، فغنّاه واحتفل . قال : ما صنعت شيئا ، أفتعرف من يقوله أحسن ممّا تقوله ؟ قال : نعم ، عمرو بن بانة ، فأمر بإحضاره ، فدخل في مقدار دخول علَّويه ، فأمره أن يغنّي الصوت ، فغنّاه فأحسن . فقال : أحسنت ما شئت ! هكذا ينبغي أن يقال . ثم قال : يا غلام ، اسقني رطلا ، واسق صاحبيه رطلا رطلا ، ثم دعا بعشرة آلاف درهم ، وخلعة ثلاثة أثواب ، ثم أمر بإعادته ، فأعاده ، فردّ القول الذي قاله وأمر بمثل ما أمر به حتى فعل ذلك عشرا ، وحصل لعمرو مائة ألف درهم وثلاثون ثوبا . ودخل المؤذّنون فآذنوه بالظَّهر ، فنقد [ أصبعه الوسطى بابهامه وقال ] برق يمان . وكذلك كان يفعل إذا أراد أن ينصرف من بحضرته من الجلساء . فقال عمرو : يا أمير المؤمنين قد أنعمت عليّ وأحسنت إليّ ، فإن رأيت أن تأذن لي في مقاسمة أخويّ ما وصل إليّ ، فقد حضراه ؟ فقال : ما أحسن ما استمحت لهما ! بل نعطيهما نحن ولا نلحقهما بك . وأمر لكلّ واحد منهما بمثل نصف جائزة عمرو . وبكَّر إلى طاهر ، فرحّله ، فلما ثنى عنان دابته منصرفا ، دنا منه حميد الطوسي فقال له : اطرح على ذنبه ترابا . فقال اخسأ يا كلب ، ونفذ طاهر